مجد الدين ابن الأثير

201

المختار من مناقب الأخيار

وكان إبراهيم في سفر ومعه ثلاثة نفر ، فبلغوا مسجدا في بعض المفاوز ، وباتوا فيه ، ولم يكن عليه باب ، وكان البرد شديدا فناموا ، فلما أصبحوا رأوه واقفا على الباب ، فقالوا في ذلك فقال : خشيت أن تجدوا البرد ، وكان وقف طول ليلته . وقال حامد الأسود : كنت مع إبراهيم الخوّاص في البادية سبعة أيام على حالة واحدة ، فلما كان اليوم السابع ضعفت فجلست ، فالتفت إليّ وقال : مالك ؟ فقلت : ضعفت . فقال : أيما يغلب « 1 » عليك الماء أو الطعام ؟ فقلت : الماء . فقال : الماء وراءك . فالتفتّ ، فإذا عين ماء كاللبن الحليب ، فشربت وتطهّرت وإبراهيم ينظر ولم يقربه ، فلما أردت القيام هممت أن أحمل منه فقال : أمسك ، فإنه ليس بمتزوّد منه . وسألته امرأة من المتعبّدات عن تغيّر وجدته في قلبها وحالها ؟ فقال لها : عليك بالتفقّد . فقالت : قد تفقّدت فما وجدت شيئا . فأطرق إبراهيم ساعة ثم رفع رأسه وقال : أما تذكرين ليلة المشعل ؟ فقالت : بلى . فقال : هذا التغيّر من ذاك . فبكت وقالت : نعم ، كنت أغزل فوق السطح ، فانقطع خيطي فمرّ مشعل السلطان فغزلت في ضوئه خيطا أدخلت ذاك الخيط في غزلي ونسجت منه قميصا ولبسته . ثم قامت إلى ناحية فنزعت القميص وقالت : يا إبراهيم ، إن أنا بعته وتصدّقت بثمنه يرجع قلبي إلى حال الضعفاء ؟ فقال إبراهيم : إن شاء اللّه . وقال إبراهيم : سلكت البادية ستة عشر طريقا على غير الجادّة ، فأعجب ما رأيت فيها رجلا ليس له يدان ولا رجلان ، وعليه من البلاء أمر عظيم ، وهو يزحف زحفا ، فتحيّرت منه وسلّمت عليه ، فقال : وعليك السلام يا إبراهيم . فقلت له : بم عرفتني ولم ترني قبلها ؟ ! فقال : الذي جاء

--> ( 1 ) في ( ل ) : « أغلب » ، والمثبت من ( أ ) .